You are currently viewing عبد الرحمن بن مهدي العنبري وطلبه للعلم

عبد الرحمن بن مهدي العنبري وطلبه للعلم

أشياءٌ كثيرة في هذا الوجود هي التي تجعلك تستمر على تحقيق أهدافك رغم الفتور الذي يصيبك من حين  لآخر، رغم التعب، رغم الإرهاق، من ضمن هذه الأشياء هي قراءة سير الناجحين، وكيف أنهم بصبرهم ونجاحهم مدحهم العلماء، ورفع الله قدرهم بين الناس، مثل هؤلاء يُسَمون المُلهمِين، الذين يلهموننا صبراً في هذه الدنيا، ومن ضمنهم كان عبد الرحمن بن مهدي العنبري .

فمن هو العنبري؟ من هو ذاك الذي اسمه عطر يريح الروح وهو العنبر، و سيرته أيضا تسمو بقلبك بصبره وعلمه وجميل أخلاقه وثناء العلماء عليه، من هو ذاك العنبري؟ هنا وفي هذا المقال سنتعرف عليه سوياً.

من هو عبد الرحمن بن مهدي العنبري

اسمه كاملاً هو عبدالرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن العنبري، اسم يبدو كمقطوعة موسيقية تطرب لها الآذان، وكانت كنيته هي أبي سعيد، وأبرز سبب للإعجاب بهذا الإمام الجليل هو أبوه، نعم أبوه، فأبوه ليس من العلماء، بل إن أبوه أقرب ما يكون إلى أنه فاقد للعقل.

رجل عامي للغاية لا يفرق بينه و بين عوام الناس وبسطائهم شيئا، وسبحان الله، من ظهر هذا العامي البسيط، وفي بيت هذا العامي البسيط، يخرج لنا عالمٌ و إمامٌ من أئمة المسلمين.

ولقد ولد في هذا البيت الإمام عبدالرحمن بن مهدي العنبري عام  135 من الهجرة، وهنا يأتي السؤال، كيف في هذا البيت العامي البسيط طلب الإمام عبدالرحمن بن مهدي العنبري العلم؟ ما قصة طلبه للعلم؟

قصة طلبه للعلم

قصة طلبه رحمه الله للعلم في بدايته قد تبدو طريفة ولكنها في الحقيقة ملهمة لأي طفل تريده أن يبدأ بطلب العلم، كان الإمام عبد الرحمن في طفولته معجبٌ بالقصاصين.

و كان القصاصون يدورون في الطرقات ويقصون على الناس القصص، صحيحها و باطلها، سليمها وسقيمها، وكان عبد الرحمن يحب أن يتابعهم و يسمع منهم.

حتى لقيه الإمام أبوعامر العقدي، ونصحه بألا يستمع لهم، فهم يحدثون الناس بكل ما هب ودب ولا يتأكدون ولا يتثبتون من صحة قصصهم التي يقصونها.

وهنا انتبه رحمه الله لأهمية التثبت من صحة القصص فانصرف عنهم يدرس علم الحديث حتى يتعلم كيف يتثبت من صحة المرويات، ومن هنا بدأ طلب العلم رحمه الله و هو ابن بضع عشرة سنة.

نبوغه في طلب العلم

من القصص التي تدل على نبوغه رحمه الله في طلب العلم هي قصته مع عبيدالله بن الحسن قاضي البصرة.

إذ كان الإمام عبد الرحمن في ذلك الوقت حدثاً وشاباً صغيراً في السن بينما يسير مع عبيد الله في جنازة، فتكلم القاضي عبيدالله بشئ فأخطأ، فصححه له عبدالرحمن رغم حداثة سنه، ففزع الناس عليه، كيف تصحح للقاضي عبيدالله وهو من هو في العلم والمكانة وأنت مازلت طالباً حدثاً، فأبعد القاضي عبيدالله الناس عنه وسأل عبدالرحمن عن ما وقع فيه من الخطأ، فوضح له عبد الرحمن.

فرجع القاضي عبيدالله عن قوله لقول عبدالرحمن لِمَا رأى من صحيح قوله.

قصة كتلك تبين لك كيف أن الإمام عبدالرحمن كان حريصا على طلب العلم، وليس طلب العلم فقط، بل أيضاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلما رأى القاضي عبيد الله وقع في مخالفة شرعية وضح له وأمره بالمعروف.

زهد عبد الرحمن بن مهدي و عبادته

أي وصف نصف به عبادة هذا الرجل؟ لقد كان عابداً لله مراقباً له سبحانه، ولم يشغله العلم عن الله، بالطبع العلم عبادة، لكن لا يجوز الانشغال به عن السجود بين يدي الله سبحانه.

وهكذا كان عبد الرحمن المهدي، كان ساجداً عابداً بالليل قائماً بالقرآن مرتلا وعيناه تبكيان.

ومن قصص تعبده لله سبحانه أنه في ليلة من الليالي قام الليل كله حتى هلكه النوم فنام على فراشه فراح عليه الفجر فاستيقظ فندم وحلف ألا ينام على فراش البتة و فعلاً ظل شهوراً لا ينام على أي فراش حتى أصيب فخذاه بالتقرح، علماً بأنه لا يجوز للعبد أن يهلك نفسه في نافلة كنافلة قيام الليل حتى تشغله عن أداء فريضة، ولكن نوم عبدالرحمن بن مهدي لم يكن مقصوداً بل كان خطاً منه، فقد غلبه النوم عن الصلاة.

حتى إذا انتبه قام و صلى ثم استغفر وعاقب نفسه، وقد كان رحمه الله يختم القرآن في يومين، ذاكراً لله عز وجل مغتنماً من الدنيا مغانمها الحقيقية وهي عبادة الله سبحانه، والتحضير لسفر الآخرة وملاقاة ربنا تبارك وتعالى، لم يشغله علم الحديث و التصحيح و التضعيف و سير الرجال عن هدف الإنسان الأول من الوجود وهو عبادة الله سبحانه ،هذه المواقف من حياة الإمام عبدالرحمن تدلك على أنه كان عالماً جليلاً وقوراً عابداً، رحمه الله تعالى وأحسن إليه.

فقه الإمام عبد الرحمن بن مهدي

رغم أنه مالكي المذهب بل و مؤسس المدرسة المالكية في العراق إلا أنه كان شديد التوسع في الفقه، فكان يأخذ بطريقة تابعي المدينة، ويذهب مذهبهم، ويقتدي بهم.

ورغم أخذه بطريقة أهل المدينة، إلا أنه كان شديد الحب والتمسك بالمذهب المالكي، وخدمه أشد خدمة، فأسس المدرسة المالكية بالعراق.

ونشر المذهب المالكي في بغداد ،وكان قوي الحجة فيه، ثقيل القدر، شديد الحكمة، حتى قال عنه الإمام أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن مهدي: كان يتوسع في الفقه، كان أوسع فيه من يحيى  أي: يحيى بن سعيد القطان – و لكم نحن بحاجة لفقيه مثل هذ ا يرُجِع للعلم مكانته في قلوب الناس بعدما خرج من قلوبهم، رحم الله الإمام عبد الرحمن.

تتلمذ على يد

لقد تلقى الإمام عبدالرحمن بن مهدي العلم على يد كبار العلماء والتابعين وهم سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك ،وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وسفيان بن عيينة، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، فانظر لهذه الأسماء المُباركة عظيمة القدر، فهم من التابعين الأجلاء و كبار العلماء، هؤلاء هم الذي ربوا وعلموا وأنشأوا الإمام عبدالرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى.

تتلمذ على يده

أول وأشهر تلاميذ الإمام عبد الرحمن بن مهدي هو الإمام العظيم أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، كما أن من تلاميذه الإمام شيخ المشرق إسحاق بن راهويه.

وأيضاً من تلاميذه الإمام الحافظ المفسرعثمان بن أبي شيبة، ومن تلاميذه أيضا يحيى بن معين هو الإمام الحافظ، إمام الجرح والتعديل، شيخ المحدثين.

كما أن من تلاميذه الإمام علي بن المديني وهو من أكابر شيوخ البخاري ومن المتخصصين في علم الحديث النبوي.

إنجازات الإمام عبد الرحمن بن المهدي وخدمته للإسلام

من أشهر وأهم إنجازات الإمام عبدالرحمن بن المهدي و خدمته للإسلام هو تأسيسه للمدرسة الفقهية على المذهب المالكي في العراق، والتي كانت إحدى أكبر الخطوات لجعل بغداد بلد العلم و العلماء ومنارة تستقبل أفواج الطلبة من كل أنحاء العالم.

كما أنه رحمه الله اعتنى بضبط معاني الحديث النبوي، حتى أنه قال أنه يفضل كتابة تفسير كل حديث بجنبه، حتى لا يلتبس على طالب علم معنى حديث من الأحاديث.

أقوال العلماء عنه

قال عنه الإمام الذهبي رحمه الله “إماماً حجة قدوة في العلم”.

وقد قال عنه الإمام الشافعي رحمه الله “لا أعرف له نظيراً في العلم”.

قال عنه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله “عبد الرحمن أفقه من القطان”.

ووصفه أيوب بن المتوكل رحمه الله “كنا إذا أردنا أن ننظر للدين و الدنيا ذهبنا إلى عبد الرحمن”.

وقال عنه ابن المديني رحمه الله “أعلم الناس بالحديث عبدالرحمن بن المهدي”.

وذكر عنه الإمام المقدمي رحمه الله “ما رأيت أحدا أتقن لما سمع ولما لم يسمع ولحديث الناس من عبد الرحمن بن مهدي”.

قد يهمك أيضا: سعيد بن المسيب ( نسبه – طلبه للعلم -انجازاته – وفاته)

من أقواله رحمه الله

“لا يجوز أن يكون الرجل إماما حتى يعلم ما يصح مما لا يصح”

“تركت حديث رجل إلا دعوت الله له وأسميه”

وقد كان رحمه الله يُكَفِر من قال بخلق القرآن الكريم حتى قال “لو كان لي سلطان ، لقمت على الجسر ، فلا يمر بي أحد إلا سألته ، فإذا قال : مخلوق ، ضربت عنقه ، وألقيته في الماء”.

ومن شدة حرصه رحمه الله تعالى على الحسنات قال “لولا أني أكره أن يعصى الله ، لتمنيت أن لا يبقى أحد في المصر إلا اغتابني ! أي شيء أهنأ من حسنة يجدها الرجل في صحيفته لم يعمل بها”

وفاته رحمه الله

انطفأت شمس أنفاسه رحمه الله في جمادي الآخرة عام 198 من هجرة النبي محمد صلى الله عليه و سلم.

قصيرةٌ هي الحياة، ومليئة بالأحداث، نهيم فيها كأننا أزهار تتمايلنا الرياح ،فمنا من ينكسر ومنا من ينساب بمرونة مع الرياح مالئاً العالم بمنظر بهي ومتزين بالبهجة، هذه الزهور المنسابة هي الزهور التي عَلِمَت كيف تنساب، هذه الزهور هم العلماء، الذي لا تكسرهم خطوب الحياة لعلمهم بها، وتراهم بانسيابهم الفني يزخرون الدنيا بمنظر بهيج وماتع  للعيون، و الإمام العنبري هو واحد منهم، رزقني الله وإياكم علمه، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

المصادر:

مصدر 1

مصدر 2

المصدر 3

سير أعلام النبلاء للذهبي.

الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب لابن فرحون.

الجرح و التعديل للرازي.

اترك تعليقاً